ابن رشد

305

تهافت التهافت

القوة دائمة القبول من جهة فوق . والقوة العملية لها بالنسبة إلى أسفل وهي جهة البدن وتدبيره وإصلاح الأخلاق وهذه القوة ينبغي أن تتسلط على سائر القوى البدنية وأن تكون سائر القوى متأدبة بتأديبها مقهورة دونها حتى لا تنفعل ولا تتأثر هي عنها بل تنفعل تلك القوى عنها لئلا يحدث في النفس من الصفات البدنية هيئات انقيادية تسمى رذائل بل تكون هي الغالبة ليحصل للنفس بسببها هيئات تسمى فضائل . فهذا إيجاز ما فصلوه من القوى الحيوانية والإنسانية وطولوا بذكرها مع الأعراض عن ذكر القوى النباتية إذ لا حاجة إلى ذكرها في غرضنا . وليس شيء مما ذكروه مما يجب إنكاره في الشرع فإنها أمور مشاهدة أجرى اللّه تعالى العادة بها . وإنما نريد أن نعترض الآن على دعواهم معرفة كون النفس جوهرا قائما بنفسه ببراهين العقل ولسنا نعترض اعتراض من يبعد ذلك من قدرة اللّه تعالى ، أو يرى أن الشرع جاء بنقيضه بل ربما يتبين في تفصيل الحشر والنشر أن الشرع مصدق له ، ولكنا ننكر دعواهم دلالة مجرد العقل عليه والاستغناء عن الشرع فيه . فلنطالبهم بالأدلة ولهم فيه براهين كثيرة بزعمهم . قلت : هذا كله ليس فيه إلا حكاية مذهب الفلاسفة في هذه القوى وتصويره ، إلا أنه اتبع فيه ابن سينا وهو يخالف الفلاسفة في أنه يضع في الحيوان قوة غير القوة المتخيلة يسميها وهمية عوض الفكرية في الإنسان ويقول ، أن اسم المتخيلة قد يطلقه القدماء على هذه القوة وإذا أطلقوه عليها كانت المتخيلة في الحيوان بدل المفكرة وكانت في البطن الأوسط من الدماغ ، وإذا أطلق اسم المتخيلة على التي تخص الشكل قيل فيها أنها في مقدم الدماغ ، ولا خلاف أن الحافظة والذاكرة هما في المؤخر من الدماغ ، وذلك أن الحفظ والذكر هما اثنان بالفعل واحد بالموضوع . والظاهر من مذهب القدماء أن المتخيلة في الحيوان هي التي تقضي على أن الذئب من الشاة عدو وعلى السخلة أنها صديق ، وذلك أن المتخيلة هي قوة دراكة فالحكم لها ضرورة من غير أن يحتاج إلى إدخال قوة غير المتخيلة ، وإنما كان يمكن ما قاله ابن سينا لو لم تكن القوة المتخيلة دراكة فلا معنى لزيادة قوة غير المتخيلة في الحيوان وخاصة في الحيوان الذي له صنائع كثيرة بالطبع . وذلك أن الخيالات في هذه غير مستفادة من الحس وكأنها إدراكات متوسطة بين الصور المعقولة والمتخيلة . وقد تلخص أمر هذه الصورة في الحس والمحسوس